لماذا دفعت “ياهو” 150 مليون دولار لشراء “مكتوب”Why Yahoo paid 150؟

#لماذا دفعت “ياهو” 150 مليون دولار لشراء “مكتوب”Why Yahoo paid 150 million dollars to buy "Maktoob"

من النادر أن نجد سوقًا بكرًا مهيأة للنمو ومفتوحة أمام الاستثمار الأجنبي. وهذا هو السبب في أن المحللين على شبكة الإنترنت ينظرون إلى قيام شركة “ياهو” هذا العام بشراء شركة عربية رائدة في مجال الإنترنت على إنها صفقة رابحة.

ففي شهر أغسطس/ آب الماضي قام عملاق الإنترنت شركة “ياهو” التي تتخذ من ولاية كاليفورنيا مقرًا لها، بشراء الموقع المجتمعي السعودي الذي يحمل اسم “مكتوب” بمبلغ يقدر بنحو 150 مليون دولار أمريكي، وهي الخطوة التي جعلت من العالم العربي أحد اللاعبين في السوق الرقمية الدولية. وبالرغم من أن منطقة الشرق الأوسط بشكل عام ودول الخليج على وجه الخصوص قد ظلت لفترة طويلة منطقة مهملة فيما يتعلق بشبكة الإنترنت العالمية، فإنها أصبحت الآن تمثل واحدة من أسرع الأسواق نموًا. وتعليقًا على ذلك قال الرئيس التنفيذي للشركة السعودية القابضة للنشر المتخصص، نيكو روكوسو: “تم وضع الصاروخ على منصة الإطلاق ومن المتوقع أن يكون الطقس مناسبًا لعملية الإطلاق. وإن هذه السوق تعتبر سوقًا بكرًا، وليس به سوى عدد قليل فقط من اللاعبين الرئيسيين. ومن المتوقع أن يحقق إيرادات هائلة”.

فقد ساعد اجتماع العوامل المختلفة من ثروة نفطية هائلة، وتعداد سكاني كبير أغلبه من الشباب، وتقدم تقني، وتحرر من القيود، على إتاحة كم وافر من الخدمات الرقمية التي تتراوح بين الشبكات المجتمعية ورسائل الهاتف النقال النصية، إلى الإعلان على شبكة الإنترنت وتقديم الخدمات المصرفية. ولا تزال هذه السوق سوقًا ناشئة، لا سيما بالنسبة للخدمات التي تقدم باللغة العربية. ولكن في حين أن استخدام الإنترنت في المنطقة قد تضاعف لأكثر من عشر مرات خلال العقد الماضي، إلا أن أقل من 1% فقط من العالم العربي (320 مليون نسمة) يتعاملون عبر شبكة الإنترنت باللغة العربية. فخدمات شركة “فيس بوك”، و هي شركة رائدة عالميًّا في مجتمع الإنترنت، قد أصبحت متوفرة الآن باللغة العربية. ولن يمضي وقت طويل، كما يتوقع الخبراء، قبل أن تحذو شركات الإنترنت ذات الثقل مثل “أمازون” و “إي باي” حذوها.

وأضاف روكوسو قائلًا: “من شأن النمو الحادث في أماكن أخرى من العالم أن يبقى اللاعبون العالميون مشغولين. فتعريب المواقع وفهم الإسلام سيكون مهمة شاقة بالنسبة لهم. ولكن مع وصول معدلات النمو في بقية أنحاء العالم لأعلى مستوياتها، سيولى هؤلاء اللاعبون اهتمامهم لمنطقة الشرق الأوسط. فهذه السوق ستتحول إلى سوق دولية ضخمة، بمجرد أن يتمكن اللاعبون العالميون من فهم الثقافة العربية”.

ومن المؤكد أن هذا كان هو الدافع وراء محاولة شركة “ياهو” شراء موقع “مكتوب”، الذي تم إطلاقه في عام 2000، من مقر صغير في عمان بالأردن. وعلى الرغم من أن هذا الموقع الخبري الذي يقدم خدماته باللغة العربية والإنجليزية لم يكشف بعد عن أرقام إيراداته، فإن عدد العاملين به يبلغ نحو 260 شخصًا، ويستخدمه نحو  16.5 مليون زائر من بلدان مختلفة مثل الإمارات والأردن والكويت ومصر والمملكة العربية السعودية.  وقد ذكر المدير التنفيذي لشركة “ياهو”، كارول باتز، عند الإعلان عن عملية الشراء، أن الصفقة قد تمت في إطار إستراتيجية “ياهو” التي تهدف إلى الاستثمار في الأسواق الناشئة باعتبارها الجبهة الجديدة للنمو في المستقبل.

ومثل غيرها من الأسواق الناشئة فقد أثبتت دول الخليج والكثير من بلاد الشام أنها تتمتع  بمرونة كبيرة إزاء أزمة الائتمان العالمية التي تفجرت في العام الماضي مع انهيار سوق الإقراض في الولايات المتحدة. ووفقا لما يراه المستثمرون فإن هذا يجعل من التسويق الرقمي وتكنولوجيا المعلومات قطاعًا غير مستغل في كتلة اقتصادية نامية. وكما يقول صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن خالد الفيصل، الذي تعمل إحدى شركات مجموعته الاستثمارية القابضة، مجموعة الفيصلية، في مجال تكامل النظم، وهي شركة الفيصلية للأعمال وخدمات التكنولوجيا : “لا جدال في أن هذه السوق في طريقه للنمو، وجميع اللاعبين الرئيسيين في العالم بحاجة لوجود أصول فعلية لشركاتهم هنا، وهذه المنطقة لديها من الإمكانات ما يكفل لها إمكانية الاندماج معهم”.

وقد شهدت التجارة عبر الإنترنت في الشرق الأوسط تباطؤًا لبعض الوقت بالرغم من أن إدخال نظام اتصال الإنترنت عالي السرعة يزيد من الطلب بسرعة كبيرة. ونصف سكان العالم العربي تقريبًا تبلغ أعمارهم ما دون الثلاثين عاماً وينمو السكان بمعدل يزيد على 2% سنويًّا؛ وهي سوق مغرٍية بالنسبة لوسائل الإعلام ومقدمي الترفيه. ففي المملكة العربية السعودية، التي تفرض رقابة على وسائل الإعلام العامة مثل الأفلام والمسرحيات والحفلات، ارتفع معدل استهلاك الخدمات المباشرة على الإنترنت ارتفاعًا حادًا بموازاة معدلات الإعلان على الشبكة والتي تزيد في المملكة على أوروبا من 3 إلى 5 مرات. ومن المتوقع أن يزداد الإنفاق في المنطقة ككل على التسويق الرقمي بمعدل يتراوح بين 35 و 40% هذا العام، وفقًا لمجموعة مدار للأبحاث ومقرها دبي. وحسب تقديرات باتي كيجان وهو استشاري أسترالي الجنسية في مجال الإنترنت، فإن قيمة الإعلان عبر الإنترنت في الشرق الأوسط يتوقع أن تتضاعف من 21 مليون دولار أمريكي في الوقت الحالي إلى 43 مليون دولار أمريكي في عام 2011.

وبالرغم من أن معدل اختراق خدمات الشبكة والمكونات المادية (الهاردوير) اللازمة لحملها ضئيل جدًا بالنسبة لإجمالي سكان العالم العربي، فإنه من المتوقع أن يرتفع بشكل هائل. فمعدلات الدخول على الشبكة في المملكة العربية السعودية وأبو ظبي التي تمثل ربع السكان تقريبًا من المتوقع أن تتضاعف خلال الأربعة أو الخمسة أعوام كما يقول المحللون. واستخدام الهواتف النقالة في منطقة الشرق الأوسط العربي أكبر كثافة بكثير – حيث يصل المعدل لأكثر من 100% من السكان في بعض الدول – كما أن هناك تزايدًا في توافر شبكات الجيل الثالث القياسية وعالية السعة. ومن المفترض أن تستثمر أبو ظبي 15 مليار دولار أمريكي في قطاع تكنولوجيا المعلومات الخاص بها بحلول عام 2011، وفقًا لمؤسسة جلوبل إنسايت الاستشارية الدولية. وفي أبريل/ نيسان، وقعت شركة الاتصالات العملاقة في أبو ظبي “اتصالات” صفقة مع بلاك بيري والتي سوف تزود 10000 مستخدم جديد للبلاك بيري بإمكانية الوصول غير المحدود لشبكة الإنترنت.

يقول بندر عسيري، العضو المنتدب لدى الخليجية وهي شركة إعلام وعلاقات عامة مقرها الرياض: “خلال سنوات قلائل، سوف نعايش عاصفة حقيقية بين اختراق الإنترنت والاتصال بين الأفراد، فمع عرض الكمبيوتر بسعر 350 دولارًا أمريكيًّا، ستصبح قطاعات المجتمع الجديدة بأكملها قادرة على الوصول إلى الإنترنت”.

لكن ما الذي يمكن أن يسير على غير ما يرام؟ إن معدل النمو المرتفع للسكان الذي يجذب بشدة المسوِّقين الرقميين يمكن أن يصبح بمثابة عبء إذا تباطأ النمو وأصبحت الدول غير قادرة من الناحية الاقتصادية على خلق فرص كافية للباحثين عن وظائف جديدة. فمن الممكن أن تنهار أسعار النفط الأمر الذي قد يقلل من الاهتمام الأجنبي بالمنطقة بوجه عام. فالمنظمون الحكوميون الذين أسهموا في فورة هذا النشاط الرقمي من خلال إزالة العوائق التي تقف أمام أسواق تلك الحكومات، يمكن أن يغيروا مسارهم وينضموا إلى تيار محلي يقيد التجارة على مستوى العالم.

ومع ذلك، فإن تجديد اليوم – تسوية الحسابات البنكية عبر الإنترنت مثلًا أو مراجعة فواتير مطعم من خلال هاتف نقال- غالبًا ما يصبح ضرورة في الغد. وإذا كان تطور التسويق عبر الإنترنت وتكنولوجيا المعلومات في العالم المتقدم بمثابة وسيلة يتم استخدامها وحسب، فإن دخول شركة ياهو إلى سوق الشرق الأوسط مجرد بداية لتوافد محتمل للشركات الرقمية العملاقة إلى المنطقة.

ليست هناك تعليقات :